حين تُهدر العاطفة مشروع الدولة:
من رفيق الحريري إلى سقوط التجربة..

حين تُهدر العاطفة مشروع الدولة:
من رفيق الحريري إلى سقوط التجربة..

ميراز الجندي كاتب ومحلل سياسي.

منذ نعومة أظافري، كنت من المؤيدين للرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا من باب التبعية أو الاصطفاف الأعمى، بل لأن الرجل مثّل، في لحظة لبنانية قاتمة، مشروع دولة حقيقية: دولة مؤسسات، سيادة، إعمار، وانفتاح، وخروج واضح من منطق الوصاية والسلاح والدويلات.
لم يكن رفيق الحريري زعيم طائفة، بل رجل دولة. لم يخاطب الغرائز، بل حاول بناء توازن وطني جامع، ودفع حياته ثمنًا لهذا الخيار، لأنه اصطدم بمنظومة لا تريد دولة، ولا تقبل شريكًا في القرار…

بعد اغتياله عام 2005، ارتُكبت أول جريمة سياسية بحق دمه، حين جرى تمرير ما سُمّي بالاتفاق الرباعي. يومها، لم تكن المسألة مجرد تحالف انتخابي، بل مقايضة واضحة: دم الشهيد مقابل تسوية، والعدالة مقابل السلطة. هناك بدأ الانحراف، وهناك تخلّت الطبقة السياسية عن جوهر المعركة التي استشهد من أجلها رفيق الحريري.
ومع إعادة تنظيم وهيكلة تيار المستقبل، تكرّس هذا الانحراف. خيارات قيادية لا تمتّ بصلة إلى المزاج الشعبي أو المشروع السيادي، وشخصيات ذات ارتباطات معروفة بمحاور كانت ولا تزال على خصومة مباشرة مع مفهوم الدولة. عندها، كان الابتعاد خيارًا أخلاقيًا وسياسيًا، لأن التيار لم يعد يشبه جمهوره، ولا أحلامه، ولا حتى خطابه التأسيسي.
في انتخابات عام 2009، اخترت الحياد. لم يكن ذلك هروبًا من المسؤولية، بل تعبيرًا عن مأزق سياسي حقيقي، حيث انحصر الخيار بين مسارات ثبت لاحقًا فشلها جميعًا، وإن اختلفت عناوينها.

أما عام 2018، فكان نقطة السقوط الحر. التوصية بدعم جبران باسيل لم تكن تفصيلًا انتخابيًا عابرًا، بل إعلان شراكة كاملة في منظومة فساد وصفقات. من ملف الكهرباء وبواخره، إلى التسويات والهندسات، وصولًا إلى التراجع عن الاستقالة التي أُعلنت في لحظة مفصلية… تلك لم تكن خطوة تكتيكية، بل خضوعًا سياسيًا فجًّا، وخطيئة لا تُغتفر، وآخر مسمار في نعش ما تبقّى من الإرث الحريري السياسي.
بعدها، لم يعد الانحدار مخفيًا. تحوّلت إدارة التيار إلى حالة إقصائية، قُدّم فيها السنّة وكأنهم بلا قيمة سياسية من دون شخص واحد، وكأن الطائفة تُختزل بفرد، ويُدار حضورها بالعاطفة لا بالحقوق والمشروع. رافق ذلك خطاب تخوين داخلي، وتفكيك لأي محاولة نقد أو مراجعة.
وذروة هذا الانحدار كانت حين خرج أمين عام التيار الأزرق بالامس ليُشيد بوئام وهاب، الشخصية التي يعتبرها كثيرون رمزًا للانحطاط الأخلاقي والسياسي، ولخطاب تحريضي يتناقض كليًا مع فكرة الاعتدال والدولة. ذلك الموقف لم يكن زلة، بل إعلان إفلاس سياسي وأخلاقي، وصفعة مباشرة لوعي الناس وكرامتهم.

اليوم، لا يمكن فصل الاستماتة الواضحة لدى قوى محور إيران لإعادة سعد الحريري إلى الحياة السياسية عن واقع التبدلات الداخلية والإقليمية. هذا السعي لا ينبع من حرص على الطائفة السنية، ولا من خوف على الاستقرار، بل من حاجة منظومة كاملة إلى استعادة غطاء سياسي فقدته بغيابه.

نعم، سعد الحريري هو ابن رفيق الحريري. ورث الاسم، وورث عاطفة شعبية واسعة، وحظي بدعم وطني وعربي ودولي استثنائي. لكن التجربة أثبتت أن العاطفة لا تبني دولة، وأن الاسم لا يصنع قيادة، وأن كثرة التسويات وضعف القرار وسوء الإدارة تقود حتمًا إلى الانهيار…

لبنان اليوم لا يحتاج زعماء عاطفيين، ولا ورثة سياسيين، ولا تسويات جديدة على حساب الدولة. يحتاج قيادة رشيدة، مشروعًا واضحًا، وجرأة في المواجهة، لا مهارة في التبرير.
وخلاصة القول، وبكل وضوح ومسؤولية:
من يفرّط بمشروع الدولة، ويغطي الفساد، ويختزل طائفة بشخص، لا يحق له احتكار تمثيلها، ولا مطالبة اللبنانيين بتكرار تجربة فاشلة جديدة تحت العنوان نفسه..

Exit mobile version