إسمنت الاحتكار وبطاطا التجارة.. متى يتحرر قطاع البناء في لبنان من “أوليغوبولي” الثلاثة؟

بقلم: رئيس التحرير الأستاذ محمود شتيوي



تضع المقارنة البسيطة بين حركة استيراد السلع الزراعية، كالبطاطا، والبندورة وحركة استيراد مواد البناء الأساسية، كالإسمنت (الترابة)، الإصبع على جرح عميق ومزمن في جسد الاقتصاد اللبناني. فبينما يخضع استيراد المواد الغذائية والزراعية لمنطق السوق والمنافسة والعرض والطلب، يُقفل ملف الإسمنت داخل “صندوق أسود” تديره كارتيلات محمية بقوة القانون والنفوذ السياسي، مما يجعل المواطن والمقاول والمستثمر رهينة لأسعار كاوية وتحكم غير مبرر في الكميات.
فبينما يباع طن الإسمنت في مصر، على سبيل المثال، في حدود 75 إلى 90 دولاراً لوجود أكثر من ثماني عشرة شركة تتنافس فيما بينها، يترنح السوق اللبناني تحت وطأة احتكار ثلاث شركات محددة تتحكم بمصير الإنتاج والأسعار. هذه المعادلة المشوهة قفزت بأسعار الطن في السوق السوداء مؤخراً إلى مشارف الـ 500 دولار، رغم أن السعر الرسمي المحدد من وزارة الصناعة لا يتجاوز 91 دولاراً، مما يطرح السؤال الملحّ: لماذا لا يجري على استيراد الإسمنت ما يجري على استيراد البطاطا؟ ولماذا لا يُفتح الباب للتجار لكسر هذا الاحتكار؟

“حماية الإنتاج الوطني”.. شماعة الاحتكار المقوّن


منذ تسعينيات القرن الماضي، استقر في أدبيات القرارات الوزارية اللبنانية بند يحمل عنوان “حماية الصناعة الوطنية”، تُرجم عملياً بمنع أو تقييد استيراد الإسمنت عبر فرض “إجازات استيراد مسبقة” ورسوم جمركية حمائية مرتفعة. لكن مع مرور العقود، تحولت هذه الحماية إلى “أوليغوبولي” (احتكار القلة)، حيث ألغيت المنافسة تماماً، وأصبح المستهلك اللبناني مجبراً على الخضوع لشروط ومزاجية المعامل الثلاثة (السبلين، هولسيم، وسبع).




إن الحماية الحقيقية للصناعة الوطنية لا تعني أبداً خلق بيئة احتكارية تقتل قطاعات أخرى موازية كالمقاولات، والبناء، وإعادة الإعمار. فالأزمة الراهنة أثبتت أن هذه السياسة لم تحمِ المستهلك، بل أمنت شبكة أمان مالية لأصحاب المصانع على حساب المواطن الذي يسعى لترميم منزله أو بناء سقف يؤويه.

تزاوج المال والسلطة: الحصانة الممنوعة من الكسر


السبب الحقيقي وراء إبقاء الأبواب مقفلة أمام التجار لاستيراد الإسمنت بحرية لا يكمن في معايير الجودة أو المواصفات، بل في النفوذ السياسي المباشر الذي تتمتع به هذه المصانع. تتقاطع الحصص النافذة في شركات الإسمنت مع زعامات تقليدية وقوى سياسية كبرى؛ هذا التزاوج بين رأس المال والسلطة يؤمن للمصانع حصانة قانونية تحميها من أي قرار جريء قد يتخذه وزير صناعة أو اقتصاد لفتح السوق. وعند كل منعطف، يتم إشهار ورقة “صرف آلاف العمال اللبنانيين” للضغط على الحكومة والتمسيد على رأس الاحتكار، في حين أن فتح الاستيراد بشروط تنافسية يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة في قطاعات المرافئ، النقل، والتجارة.

أزمة المقالع وشحّ الكميات:


السوق السوداء كبديل حتمي
المفارقة الكبرى تتجلى في أزمات المقالع والكسارات (في الكورة، البترون، والشوف)؛ فحين تُغلق هذه المقالع لأسباب بيئية أو قانونية، تتراجع قدرة المصانع على الإنتاج، مما يخلق شحاً مصطنعاً أو حقيقياً في الأسواق. وبدلاً من أن تسارع الدولة إلى فتح باب الاستيراد كبديل طبيعي لسد العجز، تذهب الحكومات نحو تمديد مهل المقالع المخالفة، تاركةً السوق السوداء تلتهم مدخرات المواطنين بأسعار خيالية.

إن غياب الكفاءة الإنتاجية وارتفاع كلفة الطاقة المحلية (من كلفة الفيول والمولدات الخاصة) يفرض حتماً الاعتراف بأن المعامل المحلية لم تعد قادرة وحدها على تلبية حاجة السوق بأسعار عادلة، خصوصاً في ظل التحذيرات المستمرة من نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس ونقابة المقاولين من تداعيات هذا الشلل على قطاع البناء والإنماء.

خلاصة القول:


إن كسر احتكار الإسمنت والسماح للتجار باستيراده دون قيود حمائية أو تعقيدات إدارية لم يعد ترفاً اقتصادياً، بل هو حاجة وطنية ملحة، لا سيما في ظل الحاجة الماسة لإعادة الإعمار والنهوض الإنمائي. الفارق بين البطاطا والإسمنت في لبنان، هو أن مزارعي البطاطا لا يملكون كتلًا نيابية ونفوذاً وزارياً يعطل قرارات التجارة الخارجية.

لقد حان الوقت لتحرير قطاع البناء من أيدي قلة مستفيدة، وإخضاع الإسمنت لمنطق السوق الحر والمنافسة المشروعة رأفةً بجيوب اللبنانيين ومستقبل إنمائهم.

Exit mobile version