سوسيولوجيا “الانتهازية الهوياتية”: عكّار كنموذج للمستجدين!

سوسيولوجيا “الانتهازية الهوياتية”: عكّار كنموذج للمستجدين!

🖋️ بقلم: د.حميدة العجل

فجأةً… أصبحت “عكّار” قبلة القلوب، ومركز الثقل في كل لقاء، وكل صورة، وكل فنجان قهوة. تتكرر العبارة ذاتها كأنها لازمة ثابتة في ختام كل منشور على مواقع التواصل: “وتباحثنا في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة في عكّار.”

هذا المشهد، رغم تكراره، يطرح إشكالية سوسيولوجية تتعلق بالعلاقة بين الانتماء الحقيقي للمكان وتوظيف الهوية لتحقيق مكاسب اجتماعية أو سياسية. فكيف تحولت عكّار من منطقة غائبة عن خطاب كثيرين إلى محور دائم في بياناتهم وصورهم؟ وهل يعكس ذلك تحولاً فعلياً في الاهتمام بقضايا المنطقة، أم أننا أمام إعادة إنتاج لخطابٍ يتغيّر بتغيّر المصالح؟

توظيف الهوية كرأسمال رمزي

تكشف هذه الظاهرة أن الهوية قد تتحول، في بعض الأحيان، إلى رأسمال رمزي يُستثمر عند الحاجة. فاللافت أن بعض من يتصدرون اليوم الحديث باسم عكّار، كانوا لسنوات يتجنبون إبراز انتمائهم إليها، أو يقدّمون انتماءات أخرى أكثر انسجاماً مع دوائر النفوذ التي يتحركون فيها. أما اليوم، ومع تبدل الظروف واقتراب الاستحقاقات السياسية أو اتساع شبكات العلاقات، أصبحت عكّار فجأة عنواناً أساسياً في خطابهم.

وهنا لا نتحدث عن تغيير طبيعي في الاهتمام، بل عن إعادة تشكيل للهوية وفقاً لمقتضيات المصلحة؛ إذ يتحول الانتماء من علاقة اجتماعية وثقافية مستمرة إلى أداة تُستدعى عندما تصبح ذات قيمة سياسية أو انتخابية.

من الخطاب إلى الاستعراض

المشكلة لا تكمن في اللقاءات بحد ذاتها، بل في النمط المتكرر الذي يختزل قضايا منطقة كاملة بعبارات عامة لا تختلف من منشور إلى آخر. فبدلاً من تقديم رؤى أو مبادرات واضحة، يتحول اللقاء إلى مشهد بروتوكولي، وتصبح الصورة أهم من مضمون النقاش، فيما يُستبدل الفعل التنموي بخطاب إنشائي قابل للتكرار في أي مكان وزمان.

نماذج من واقع الاستثمار السياسي

يمكن ملاحظة هذه الظاهرة في أكثر من نموذج متكرر:

المسؤول العابر للمناطق: شخصيات أمضت معظم حياتها المهنية والسياسية بعيداً عن عكّار، ولم يظهر ارتباطها بالمنطقة إلا عندما أصبحت تشكل قيمة انتخابية أو اجتماعية.

المستشار التنموي الصوري: أفراد يكثرون من اللقاءات والبيانات، لكن حضورهم يقتصر على الصور والتصريحات، فيما تغيب المشاريع القابلة للتنفيذ والقياس.

المثقف الموسمي: أكاديميون أو مهنيون لم يكن انتماؤهم العكاري جزءاً من خطابهم العام، ثم عادوا لتقديم أنفسهم ممثلين للمنطقة عندما أصبحت الهوية تمنحهم حضوراً أو قبولاً أكبر.

الذاكرة الاجتماعية لا تنسى

الانتماء الحقيقي لا يُثبت بعدد الصور، ولا بعدد المنشورات، ولا بالعبارات المتكررة أسفل كل لقاء. فالذاكرة الاجتماعية تحتفظ بمن بقي قريباً من الناس في سنوات التهميش، كما تميز بسهولة بين من عاش قضايا المنطقة، ومن تذكرها فقط عندما أصبحت فرصة للظهور.

إن عكّار ليست موسماً انتخابياً، ولا عنواناً يُستخدم عند الحاجة، ولا بطاقة تعريف تُستخرج في الوقت المناسب. إنها مجتمع له ذاكرته، وله أولوياته، وله حقه في أن يُمثَّل بمن يعرف واقعه، لا بمن يكتشفه مع كل استحقاق.

ولذلك، فإن الانتماء الحقيقي لعكّار لا يقاس بالشعارات، بل بمعايير واضحة:

فعكّار لا تحتاج إلى مزيد من البيانات التي تبدأ بـ”تباحثنا”، بل إلى أفعال تنتهي بنتائج يلمسها أهلها. فالتاريخ لا يكتبه من يزور المنطقة في مواسم المكاسب، بل من بقي معها عندما كانت بعيدة عن الأضواء.

Exit mobile version