
في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، لا يزال الأهالي يحاولون استيعاب هول الجريمة التي أودت بحياة تسعة من أبنائهم. هنا، حيث يعرف السكان بعضهم بعضاً وتجمع معظمهم روابط القربى، تحولت مراسم تشييع سيدة مسيحية إلى مجزرة هزّت القرية الصغيرة. وفي أحاديث مع النهار من داخل البلدة، يروي السكان وقع الفاجعة عليهم، ويتمسكون بوحدة مجتمعهم في مواجهة الإرهاب، وسط مخاوف من تكرار ما حدث.تقع حمود في محافظة الكرك، على بعد نحو 118 كيلومتراً جنوب العاصمة عمّان و25 كيلومتراً من مركز المحافظة. وكانت القرية الوادعة مسرحاً لهجوم إرهابي استهدف مشيّعين في كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة العشرات.والقرية التي لا يتجاوز عدد سكانها 300 شخص، وتبرز فيها عشيرة الهلسة المسيحية التي ينتشر أبناؤها أيضاً في مناطق عدة من المملكة، تتميز بطابعها المعماري القديم، إذ تضم بيوتاً حجرية تراثية ذات سقوف خشبية. وكانت تحتضن سوقاً تجارية يقصدها التجار من مختلف مناطق المحافظة، لبيع منتجاتهم من الخضار والحبوب أو شراء السلع التي كان يجلبها أبناء البلدة من الشام وفلسطين. وعُرفت القرية أيضاً باحتضانها أول مطحنة حبوب في المنطقة عام 1939.أسماء في الذاكرةيرتبط اسم قرية حمود في ذاكرة الأردنيين بشخصيات بارزة، منها عودة باشا القسوس، الذي يُعد أحد أبرز القادة والمفكرين في الأردن خلال أواخر العهد العثماني ومرحلة تأسيس الإمارة، وشغل مناصب قانونية وقضائية رفيعة. ومنها أيضاً يعقوب العودات الهلسة، الأديب والمؤرخ العروبي المعروف الذي نال جوائز تقديرية رفيعة، وتُعد مؤلفاته جزءاً مهماً من أرشيف المكتبة العربية.ويبرز كذلك اسم غالب هلسا، الأديب والمفكر والروائي السياسي الذي عاش حياة نضالية حافلة بين عمّان والقاهرة وبغداد وبيروت ودمشق، ويُعد من رواد الرواية العربية الحديثة، إلى جانب تيريز هلسا، المعروفة بأنها من أوائل المناضلات الأردنيات اللواتي انخرطن في صفوف المقاومة الفلسطينية خلال سبعينيات القرن الماضي. قرية تحت الصدمةوفي أحاديث مع النهار، يؤكد عدد من أهالي القرية أنهم لم يتخيلوا يوماً أن تشهد بلدتهم جريمة بهذا الحجم، مشيرين إلى أن الجميع لا يزال تحت وقع الصدمة، وأن الجرح، على حد وصف أحدهم، لن يلتئم، وستظل ذكرى من استشهدوا حاضرة في القلوب والأذهان وكل أزقة القرية.ويشير الأهالي إلى أن القبض على منفذي الهجوم خفف عنا مصابنا، وكذلك حضور العائلة المالكة وحشود من أبناء الشعب الأردني لمواساتنا، مشددين على أنهم ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام بحق المهاجمين بعد إدانتهم وانتهاء محاكمتهم.وتُطبّق عقوبة الإعدام في المملكة على نطاق ضيق، وفي قضايا جنائية خطيرة كالقتل والإرهاب. وكان آخر تنفيذ للأحكام في 21 حزيران-يونيو الماضي، حين أُعدم ستة مدانين في قضايا إرهابية وجنائية، بعضها مرتبط بجرائم ارتُكبت خلال ملاحقة تجار المخدرات. وأكد رئيس الوزراء جعفر حسان آنذاك أن الحكومة ستعمل على تعديل القانون بما يضمن توسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام على كبار تجار المخدرات ومهرّبيها المرتبطين بعصابات خارجية.ويؤكد سكان القرية أن الإرهاب لن ينجح في إحداث فتنة طائفية في بلد مثل الأردن، يعيش فيه المسلمون والمسيحيون حياة واحدة ومصيراً واحداً، وتربطهم أواصر اجتماعية متينة، كما هو الحال في محافظة الكرك وغيرها من المحافظات، مضيفين أن الألم لا يقتصر على بلدة حمود ولا على المسيحيين، إنما طال الأردن. القبض على المجرمين خفف عناويعيش في محافظة الكرك نحو 375 ألف نسمة، بينهم عائلات وعشائر مسيحية بارزة، مثل الحجازين والهلسة والبقاعين والحدادين، التي تشكل جزءاً من النسيج الاجتماعي للمحافظة إلى جانب العشائر المسلمة، فيما تنتشر الكنائس والمؤسسات المسيحية إلى جانب المساجد ودور العبادة الإسلامية.وينتمي المسيحيون في الأردن إلى طوائف متعددة، بينها الروم الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن الأرثوذكس والبروتستانت، وتُقدّر نسبتهم بنحو 3% من عدد السكان البالغ نحو 11 مليون نسمة.ويقول ابن القرية ومدير ثقافة الكرك سابقاً خالد برقان، الذي كان موجوداً في موقع الهجوم، إنه فقد في الجريمة الإرهابية خاله وابن عمه وعديله، مشيراً إلى أن بقية الضحايا هم أيضاً من أقاربه.ويؤكد برقان لـالنهار أن المصاب جلل، لكن القبض على المجرمين خفف علينا ولو قليلاً حجم الألم، لافتاً إلى أن الإرهاب موجود في كل مكان، وعلى الجميع العمل على استئصاله ومحاربته، كون هذا الفكر يعشعش في عقول عدد كبير من أبناء المنطقة، حيث دفع الأردن وبلدان أخرى ثمن هذا الفكر.ويضيف أن المجرمين هدفوا إلى ضرب الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي، لكن عملياً لن يفرحوا لأننا شعب واعٍ وقادر على مواجهة الفكر الظلامي.خشية من تكرار الهجماتإلى ذلك، لا يستبعد الخبير في الأمن الاستراتيجي الدكتور عمر الرداد تكرار مثل هذه العمليات، معتبراً أن أسبابها الكامنة المتعلقة بحواضن التطرف لا تزال موجودة وتغذي الجماعات الإرهابية، بالإضافة إلى أسباب اجتماعية واقتصادية وغيرها، خصوصاً أن هذه الجماعات تتوالد وتتطور وتتكيف مع الظروف في مواطنها. ويضيف الرداد لـالنهار أن اختيار الكنيسة تم بوصفها هدفاً سهلاً وقريباً من قرية الجديدة التي ينتمي إليها الإرهابيون، إذ لا تبعد عن قرية حمود سوى 3 كيلومترات، وتقع في منطقة نائية، مشيراً إلى صعوبة تنفيذ عملية مماثلة في مركز المحافظة أو العاصمة، بسبب الإجراءات الأمنية الأكثر تشدداً وانضباطاً وكثافة.



