إقتصاد

أوروبا.. نهاية عصر “الرفاه الريعي”: حين ترتد أزمات المركز على أطرافه


بقلم: د. حميدة العجل


في أدبيات الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع البنيوي، نادراً ما تسقط الإمبراطوريات أو الكيانات الكبرى بضربة مفاجئة؛ بل تتآكل ببطء من الداخل حين تنفصم عرى بنيتها الاقتصادية عن واقعها الاجتماعي والثقافي. وما تعيشه القارة الأوروبية اليوم -وتحديداً قلباها النابض: ألمانيا وفرنسا- ليس مجرد ركود دوري أو أزمة مالية عابرة، بل هو تصدع أنثروبولوجي وتنموي عميق لنموذج حضاري أُسس تاريخياً على استنزاف الخارج ومراكمة فوائض استعمارية، قبل أن يُعاد تدويرها داخلياً عبر ما يُعرف بـ”دولة الرفاه”.
اليوم، يقف هذا النموذج أمام حائط مسدود، وتكشف المؤشرات عن مأزق يتجاوز لغة الأرقام ليطوي في بنية المجتمعات الأوروبية أزمات هوية وإنتاج وتوقعات.
أولاً: المأزق الاقتصادي-البنيوي.. سقوط قاطرة الموديل القديم
منظور التنمية الاقتصادية يقرأ الانهيار الألماني بوصفه نهاية حتمية لنموذج اعتمد على ثلاثة أعمدة: طاقة روسية رخيصة، تفوق تكنولوجي هندسي، وأسواق تصدير مفتوحة على رأسها الصين. مع انهيار هذه الأعمدة، تجد القاطرة الألمانية نفسها في طريق مسدود. موجة إفلاسات الشركات المتوسطة والعائلية (الـ Mittelstand) –والتي تجاوزت 24 ألف طلب إفلاس في عام واحد– لا تعني فقط أرقاماً مالية سالبة، بل تعни تدميراً تدريجياً لعمود الفقري للاقتصاد: “الطبقة الوسطى”.
أما في فرنسا، فالأرقام تفضح عجزاً بنيوياً؛ ديون تقترب من 3.6 تريليون دولار، وتراجع في إنتاج السيارات بملايين الوحدات مقارنة بعام 2019، لدرجة تحويل بعض المصانع الأوروبية العريقة إلى خطوط لتجميع التكنولوجيا والسيارات الصينية. إنها مفارقة تاريخية قاسية تعكس انتقال مركز الثقل التقني والصناعي نحو آسيا، التي باتت تسيطر على سلاسل التوريد ومعادن المستقبل.
ثانياً: الأنثروبولوجيا الثقافية واصطدام التوقعات بالواقع
سوسيولوجياً وأنثروبولوجياً، نحن أمام أزمة “عقد اجتماعي مكسور”. الشعوب الأوروبية -وخصوصاً في فرنسا- أُنشئت عبر عقود طويلة على ثقافة الاستهلاك والتقديمات الاجتماعية السخية وسقف التوقعات المرتفعة (التقاعد المبكر، الرعاية الصحية الشاملة، الدعم المستمر). هذا “الدلال الاجتماعي” تم تمويله بذكاء عبر الديون الخفية والمكاسب التاريخية للسيطرة على الأسواق العالمية.
لكن حين يواجه مجتمع “هرم وعجوز” انكماشاً اقتصادياً، وتتحول الدولة العاجزة عن تلبية هذه التوقعات إلى فرض إجراءات تقشفية، يشتعل الشارع بثورات واحتجاجات ترفض دفع الفاتورة. هنا ينكشف الانفصال الحاد بين نخب سياسية تعيش في أبراج مركزية، وشعب يشعر بالاغتراب وتآكل المكتسبات، ما يغذّي عصبية الهوية وصعود التيارات الراديكالية.
ثالثاً: التنمية الاجتماعية وفقدان العمق الاستراتيجي
تنموياً، تعاني أوروبا من تآكل تدريجي لعمقها الاستراتيجي والتجاري؛ فالتوغل التاريخي في إفريقيا يتآكل لصالح قوى دولية صاعدة تعرف كيف تبني شراكات قائمة على الندية لا الاستتباع القديم. وعالمياً، تجد أوروبا نفسها محاصرة بين اقتصاد صيني يكتسح الأسواق، وسياسات أمريكية (تتجسد في مسارات تسوية كبرى تفرض في أوكرانيا وتقسيماتها بمعزل عن الإرادة الأوروبية) تُعامل الحليف القديم كتابع أمني لا شريك ندّ.
خلاصة نقدية
إن المنظومات التي بنت أمجادها على ريع الاستعمار ورفاهية الداخل، تجد نفسها اليوم غير قابلة للحياة في عالم متعدد الأقطاب، تحكمه قواعد الكفاءة والإنتاج والابتكار الحقيقي لا الشعارات والشاشات الكلاسيكية. أوروبا اليوم لا تواجه تراجعاً في النفوذ فحسب، بل تدفع باهظاً ثمن ركونها الطويل إلى أرشيف ماضيها الاستعماري.
يبدو أن الحسابات القديمة قد حان وقت تسويتها، و”الحلقة الأضعف” في لعبة الأمم بدأت تتضح معالمها على وقع سقوط أوهام التفوق المطلق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى