عاصفة طارئة عرّت البلديات والأشغال… والبلد غرق في مجارير انفجرت من التضخم.

عكار أولاً : محمود خضر شتيوي
لم تكن العاصفة التي ضربت المنطقة ليلة الأمس سوى القشة التي قصمت ظهر البنية التحتية المتهالكة، لتكشف مستوراً كان غطاء الترقيع يداريه لسنوات.
دقائق معدودة من الهطول الغزير للأمطار كانت كفيلة بتحويل الشوارع إلى مستنقعات مفتوحة، وإطافة المناهل التي لم تعد تحتمل حجم التدفق ولا سنوات الإهمال والانسداد. ومع ساعات الليل الأولى، وقبل حتى أن تبدأ الجهات المعنية بمسح الأضرار، كان المشهد الميداني يتحدث عن نفسه: تحولت شوارع المدينة إلى مسار إجباري لاختبار الصبر، حيث لم تعد الروائح النفّاثة تأتي من حدائقها أو متاجر عطورها، بل من طوفان مياه الصرف الصحي التي انفجرت أقنيتها لتغمر الأسفلت وتزنّر الأرصفة.
هذا السقوط الميداني والسريع وضع الجميع أمام علامات استفهام كبرى حول غياب الخطوات الاستباقية التي كان يفترض اتخاذها قبل حلول الشتاء. وتتجه الأنظار أولاً نحو دور المحافظين والجهات الإدارية المختصة، والذين يفترض أن يتجاوز دورهم مجرد التوجيه والوعظ الشفهي للبلديات إلى فرض الرقابة الميدانية والعملية، والإشراف المباشر على تجهيز المصافي وتنظيف الأقنية وتطهير مجاري المجاري المائية قبل وقوع الكوارث.
لكن في المقابل، لا يمكن إغفال واقع البلديات نفسها التي تقف مكبلة أمام أزمات مالية وخناق اقتصادي حاد. وتأتي هذه الكارثة المناسبة الأبرز لمطالبة وزارتي الداخلية والبلديات والمالية بالإفراج الفوري عن مستحقات البلديات وحقوقها المكتسبة من الصندوق البلدي المستقل وعائدات الخليوي، وتحسين سعر صرفها مقابل الدولار. فمن دون تمويل فعلي وتوفير السيولة اللازمة، لن تتمكن المجالس البلدية من صيانة شبكاتها، ولا التعاقد مع شركات الصيانة، ولا القيام بأي عمل استباقي يقي المواطنين غائلة الغرق والتلوث.
وقد برزت تداعيات المشهد الميداني قبل مسح الأضرار:
* تلوث بيئي وتهديد صحي: روائح نفّاثة تتسرب إلى المنازل والمحال التجارية، مع تصاعد المخاوف من انتشار الجراثيم والأوبئة بين السكان.
* شلل في الشرايين الحيوية: تعطيل حركة السير واحتجاز المركبات في بحيرات مائية اختلطت فيها مياه الأمطار بالصرف الصحي.
* تأثر القطاعات الاقتصادية: تضرر الممتلكات الخاصة والمحال الواقعة على مستويات منخفضة، وسط غياب شبه تام لفرق الطوارئ ليلاً.
إن المشهد الممتد من ليلة الأمس يثبت أن الحلول لا تبدأ بعد انحسار العاصفة وحصر الأضرار، بل باستراتيجية استباقية متكاملة تتكامل فيها التوجيهات الحازمة من المحافظين مع التمويل الفعلي والمسؤول من الوزارات المعنية، تجنباً للوقوع في الفخ ذاته مع كل هطول مطري قادم.



