الغلاء ليس قدرًا… وسوء الإدارة له كلفته.

بقلم ميراز الجندي – كاتب ومحلل سياسي
لم يعد الغلاء في لبنان مجرد انعكاس للظروف العالمية، بل أصبح أيضًا نتيجة لضعف إدارة الدولة وغياب الرقابة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية الفعالة.
قد تؤثر الأزمات الإقليمية ومضيق هرمز في كلفة الاستيراد والنقل، لكن السؤال الأهم: ماذا تفعل الدولة لتخفيف أثر هذه الأزمات على المواطن؟
حين تغيب الرقابة، ولا تُضبط الأسواق، ولا تُعالج أسباب الهدر، يدفع المواطن ثمن سوء الإدارة من جيبه.
من التشخيص إلى خطة تنفيذية
المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات والتبريرات، بل خطة حكومية واضحة بمواعيد ومسؤوليات ومؤشرات قياس، تبدأ بالخطوات الآتية:
أولًا: ضبط الأسواق خلال 30 يومًا
تشكيل خلية حكومية مشتركة تضم الوزارات والأجهزة الرقابية المعنية، مهمتها مراقبة أسعار السلع الأساسية من المستورد إلى تاجر الجملة والمفرق.
وتصدر الخلية نشرة أسبوعية معلنة لأسعار السلع الأساسية، مع فتح قنوات إلكترونية لتلقي شكاوى المواطنين، وإجراء عمليات تفتيش مبنية على البيانات، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تثبت مخالفته.
مؤشر القياس: نشر الأسعار أسبوعيًا، عدد عمليات التفتيش، عدد المخالفات والإجراءات المتخذة، وتطور أسعار السلة الأساسية.
ثانيًا: خفض كلفة الاستيراد خلال 60 يومًا
مراجعة الإجراءات والرسوم التي تزيد كلفة السلع من دون مبرر، وتسريع المعاملات الجمركية، وتسهيل المنافسة ومنع أي ممارسات احتكارية أو تلاعب بالسوق يثبتها التحقيق المختص.
الهدف ليس دعم التاجر، بل خفض الكلفة التي تصل في نهايتها إلى جيب المواطن.
مؤشر القياس: مقارنة كلفة استيراد السلع الأساسية قبل وبعد الإجراءات، وقياس انعكاسها على أسعار البيع.
ثالثًا: حماية الفئات الأكثر ضعفًا خلال 90 يومًا
بدل الدعم العشوائي الذي قد يستفيد منه القادر وغير القادر، اعتماد دعم اجتماعي موجّه وقابل للتدقيق، يستند إلى الدخل وحجم الأسرة والحاجة الفعلية.
وفي المقابل، يجب ألا تتحول أي زيادة في رواتب فئة من الموظفين أو العسكريين إلى سبب لإفقار فئات أخرى.
مؤشر القياس: عدد الأسر المستفيدة، قيمة الدعم الفعلية، نسبة التسرب أو الاستفادة غير المستحقة، وأثر البرنامج على القدرة الشرائية.
رابعًا: وقف الهدر قبل فرض أعباء جديدة
لا يجوز أن تبدأ الدولة من جيب المواطن كلما احتاجت إلى إيرادات إضافية.
قبل فرض أي رسم أو ضريبة جديدة، يجب نشر دراسة أثر واضحة تحدد الهدف، والكلفة على المواطن، والإيرادات المتوقعة، وأوجه إنفاقها، مع إخضاعها للرقابة.
بمعنى واضح: لا رسوم جديدة بلا شفافية، ولا أعباء جديدة قبل معالجة مكامن الهدر.
خامسًا: فتح ملف المال العام والمساءلة
أي شبهة فساد أو اختلاس أو إساءة استعمال للمال العام يجب أن تخضع للتحقيق، وكل من يثبت بحقه ارتكاب مخالفة أو جريمة يجب أن يتحمل مسؤوليته أمام القضاء.
أما الأموال العامة التي يثبت القضاء أو الجهات المختصة أنها أُنفقت أو حُوّلت خلافًا للقانون، فيجب العمل على استردادها وفق الأصول القانونية.
المطلوب هنا ليس شعارات سياسية، بل ملفات، تحقيقات، إحالات، أحكام وتنفيذ.
الحكومة أمام اختبار سياسي
لم يعد المواطن بحاجة إلى من يشرح له لماذا ارتفعت الأسعار؛ هو يعرف أن العالم يمر بأزمات. لكنه يريد أن يعرف ماذا فعلت الدولة اللبنانية لتقليل كلفة هذه الأزمات عليه؟
الأزمة قد تكون عالمية، لكن حجم الضرر الذي يصل إلى المواطن تحدده أيضًا كفاءة الدولة في إدارة الأزمة.
الدولة لا تستطيع التحكم بمضيق هرمز، لكنها تستطيع أن تضبط سوقها، وتحمي المستهلك، وتمنع الاحتكار، وتوقف الهدر، وتراقب المال العام، وتضع سياسة اجتماعية عادلة.
وهنا المسؤولية السياسية واضحة: الحكومة التي تستطيع فرض الضرائب والرسوم على الناس، يجب أن تكون قادرة أولًا على فرض القانون على الأسواق وعلى المال العام.
فإما أن تنتقل الدولة من سياسة ردّ الفعل والتبرير إلى الحوكمة والتنفيذ والمحاسبة، وإما أن يبقى المواطن يدفع ثمن أزمة لم يصنعها وسوء إدارة لم يرتكبه.
لم يعد المطلوب من الحكومة أن تقول لنا إنها تعمل؛ المطلوب أن نرى ماذا أنجزت، ومن حوسب، وكم وفّرت على المواطن، ومتى ظهرت النتائج.
وهذه ليست مطالب شعبوية، بل الحد الأدنى من مسؤولية السلطة تجاه الناس.
الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، لا بقدرتها على مطالبتهم بتحمل فشل إدارتها.



