«هيبة الدولة» عند حاجز «الدعتور»: عندما تُجبى الغرامات على طرقات الحفر والظلام!

في لبنان، البلد الذي يبتكر العجائب الإدارية يومياً، تنزل “الدولة” إلى الأرض، ولكن ليس من بوابة تأمين حقوق المواطن أو إصلاح البنى التحتية المتهالكة، بل من الباب الوحيد الذي تتقنه: العقاب والجباية. فالكهرباء مقطوعة على مدار الساعة، والطرقات تحولت إلى مصائد للسيارات، ومؤسسات “النافعة” تعيش حالة من الشلل والفساد المستشري، لكن كل هذه الأزمات تتلاشى فجأة أمام إصرار الأجهزة الأمنية على فرض “هيبة القانون” في المكان والزمان الخاطئين.
من زحمة «دير عمار» إلى اختناق «الدعتور»
المشهد على شريان الشمال الرئيسي يختصر الواقع الأليم؛ فما إن ينجو المواطن من الازدحام الخانق عند حاجز الجيش في نقطة العبور بدير عمار، حتى يصطدم برتل جديد من السيارات المتوقفة تماماً. للوهلة الأولى، يظن العابرون أن السائقين أو العسكريين المتقاعدين أغلقوا الطريق احتجاجاً على أوضاعهم المعيشية، لكن مع التقدم البطيء، تتكشف الحقيقة: إنه حاجز لقوى الأمن الداخلي يُقيم “هيبة الدولة” في نقطة “الدعتور”، محولاً حركة المرور إلى كابوس يومي يُهدر وقت العمال والموظفين والمرضى، تزامناً مع عشوائية ركن السيارات المخالفة على جانبي الطريق دون تنظيم.
تفتيش عن التعجيز في دولة المكاتب المقفلة
تتعدد الأسئلة والمفارقة واحدة: عن ماذا تبحث “سيادة القانون” على هذا الحاجز؟
* دفاتر السيارات والـ A4: أتبحث عن دفاتر السيارات التي عجزت الدولة نفسها عن طباعتها واستبدلتها بإيصالات ورقية قياس A4 بانتظار “الشركة المشغلة”؟ أم تدقق في رخص القيادة وتراخيص السير المجمّدة في أدراج “النافعات” المعطلة؟
* صلاحية المركبات: عن أي السلامة مرورية أو “معاينة ميكانيكية” يُسأل السائق، بينما الحفر والخنادق المنتشرة على الطرقات كفيلة بتدمير أعتى السيارات خلال أيام معدودة؟
المطلوب العدالة قبل الجباية
إن تطبيق القانون فرضٌ لسيادة الدولة لا يعترض عليه أحد، ولكن العدالة الاجتماعية والإدارية تقتضي أن تؤمن السلطة للمواطن أدنى حقوقه البديهية — من طريق آمن وإدارة تعمل لإنهاء معاملاته وكهرباء تُنير الطرقات ليلاً — قبل أن تنزل إلى الشارع لتسطير المخالفات وفرض الهيبة على حساب أعصاب الناس وأوقاتهم وقوت يومهم.
هل هذه الممارسة تعكس فعلاً “هيبة الدولة” أم أنها استعراض ينكأ جراح المواطنين المتروكين لمصيرهم؟
