مسرح العبث النيابي: عندما تُسقط الكاميرا أقنعة “دولة المؤسسات”

محمود شتيوي
لم تكن جلسات الثقة بالحكومة سوى مرآة مكبرة كشفت العمق الإداري والسياسي للأزمة التي تعيشها البلاد. فبينما كان الشارع ينتظر خطة إنقاذ واضحة وأرقاماً دقيقة تلامس أوجاعه الاقتصادية والاجتماعية، تحولت القبة البرلمانية على مدار يومين إلى منصة للاستعراض الكلامي، وتبادل الاتهامات، والمزايدات الشفهية التي استهدفت شاشات التلفزة لا جدول الأعمال.
شعبوية عارية على الهواء المباشر
أعاد البث المباشر للجلسات إظهار المعضلة الهيكلية في الخطاب السياسي الحالي؛ حيث تحول حق النائب في التعبير والرقابة إلى سباق محموم لجذب الانتباه. وتوزعت الأدوار بين من مارس “البطولة الزائفة” أمام جمهوره، ومن انحدر بحديثه إلى لغة التخوين والاتهام بالفجور والعمق الإيديولوجي، ليغيب النقاش التقني حول برنامج الحكومة وتغرق القاعة في صخب مجاني لا ينتج تشريعاً ولا يحقق إصلاحاً.
ثقة بالأرقام… وفجوة في الشارع
تتجلى المفارقة الكبرى في مشهد التصويت نفسه؛ فنيل الحكومة للثقة بواقع 68 صوتاً، مقابل حجب 12 نائباً وامتناع اثنين، وانسحاب كتلة كاملة من الجلسة، يعكس خارطة سياسية مأزومة وهشة. هذا المشهد، وإن استوفى شكله الدستوري، كشف عن تعمق الفجوة بين السلطة التشريعية والمواطن الذي بات يرى في هذه الاجتماعات مجرد إجراءات شكلية تُدار بأسلوب يبتعد كل البعد عن مفاهيم دولة المؤسسات والإنضباط البرلماني.
المحاسبة هي المخرج الوحيد
إن حالة السخط الشعبي التي تعقب هذه المشاهد تدفع الكثيرين للتساؤل عن جدوى المنظومة برمتها. إلا أن التحول من الانزعاج إلى التغيير يتطلب أداءً واعياً في الاستحقاقات القادمة. فالغضب الشديد من تدني مستوى الخطاب النيابي يجب أن يتحول إلى أداة محاسبة صارمة في صندوق الاقتراع، لإقصاء كل من جعل من التشريع مسرحاً، وإعادة الهيبة للمؤسسات عبر اختيار كفاءات تدرك أن التكليف النيابي مسؤولية وطنية لا منصة للاستعراض.



