أمن وقضاء

متفجرات ضهر البيدر: هل كسرت “شرعية السلاح” محظور المحاكمة الحزبية؟

محمود شتيوي


لم تكن شحنة النصف طن من المواد شديدة الانفجار التي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر مجرد تفصيل أمني يضاف إلى سجل الخروقات الإقليمية؛ بل شكلت اللحظة الأكثر تعبيراً عن التحلل التدريجي لـ “الحماية السياسية” التي تمتع بها سلاح حزب الله لسنوات طويلة. فبين مادة C-4 شديدة التدمير والكرات المعدنية المصممة لمضاعفة النطاق القاتل، لم تعد الشحنة تعيد فقط أشباح حقبة الاغتيالات (2005-2008)، بل كشفت عن تحول هيكلي في كيفية تعامل المؤسسات الأمنية والقضائية اللبنانية مع ملف اللوجستيات التابعة للحزب.

تحول المعادلة السياسية: سحب “الغطاء الشرعي”


في القراءة الاستقصائية لظروف ضبط الشحنة، لا يمكن فصل توقيف سيارة ضهر البيدر عن القرار الرسمي الصادر عن الحكومة اللبنانية الذي أعاد تعريف “سلاح حزب الله” بوصفه خارج إطار الشرعية والقوانين اللبنانية.
* كسر المحظور الأمني: في سنوات سابقة، كان مرور حركة نقل المواد العسكرية التابعة للحزب يتكئ على صيغ مبهمة مثل “الشعب والمقاومة والجيش”، مما يحول دون توقيف الشحنات عند الحواجز الأمنية تجنباً للصدام السياسي. أدى رفع هذا الغطاء إلى منح الأجهزة الأمنية (قوى الأمن الداخلي والجيش) غطاءً حاسماً لتفتيش أي حركة مشبوهة وتطبيق القانون دون استثناءات.
* جرأة القرار ميدانياً: كشفت التحقيقات التفصيلية أن الموقوفَين لم يتوقعا خضوعهما لتفتيش دقيق على حاجز مأهول كـ “ضهر البيدر”. هذا السلوك يعكس الاعتماد السابق على “الحصانة التلقائية”، والتي انكسرت مباشرة بموجب التوجيهات الحكومية الجديدة.


التأثير المباشر على المسار القضائي والتكييف الجرمي
يفرض القرار الحكومي واقعاً جديداً على المحكمة العسكرية والقضاء اللبناني المختص بنظر القضايا المتعلقة بالحيازة ونقل المواد الفتاكة، حيث يمكن رصد هذا التحول عبر عدة جوانب أساسية:
التعاطي ميدانياً عند الحواجز والأجهزة الأمنية
سابقاً، كانت الحواجز والأجهزة الأمنية تتجنب تفتيش الآليات أو الشحنات التابعة للجهات الحزبية تحاشياً للصدامات السياسية أو الاحتكاكات الميدانية. أما اليوم، وفي ظل سحب الشرعية، أصبح التفتيش دقيقاً وصارماً مع تطبيق مفهوم أمني شامل لا يستثني أحداً ولا يقر بوجود مناطق أو آليات معفاة قانونياً.

التكييف القانوني للشحنات والموقوفين



كانت الملفات المتصلة بعناصر الحزب تُكيّف في السابق كقضايا “نقل عتاد غير مرخص” أو يجري تسويتها عبر اتصالات سياسية تسفر عن إغلاق الملف أو إعادة المحتجزات تحت إطار “الضرورات الدفاعية”. أما اليوم، فإن سحب الشرعية يفرض تكييف القضية بموجب المواد القانونية الصارمة المتعلقة بـ “حيازة مواد فتاكة ونقلها بقصد ارتكاب أفعال إجرامية، والإرهاب، والمساس بالأمن القومي”.

الضغوط وتدخلات السلطة السياسية في القضاء



في المراحل السابقة، كان فريق الدفاع والأوساط الداعمة يستغلون غطاء “المقاومة” والغطاء السياسي الرسمي لتخفيف الأحكام القضائية أو فرملة التحقيقات. أما في المشهد الحالي، فقد سقط هذا الدفع السياسي، مما يرفع الضغوط عن القضاة ويسمح بحصر الملف في إطاره الجنائي الصرف وتطبيق قانون العقوبات وقانون الأسلحة والذخائر دون استثناءات.
سيناريوهات الاستهداف والربط التاريخي


تُظهر الفحوصات المخبرية للمواد المضبوطة (خليط الـ C-4 والـ TNT مع الكرات الحادة) مطابقة فنية لأساليب العبوات الناسفة التي استهدفت موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشخصيات السياسية والإعلامية لاحقاً. ورغم أن الـ C-4 مادة عسكرية متداولة دولياً ولا تشكل بحد ذاتها دليلاً جنائياً فردياً منفرداً، إلا أن شكل الشحنة وتكتيك إعدادها يفتحان التحقيق على فرضيتين استقصائيتين:
* الفرضية الأولى (العمليات الأمنية الموجهة): إعداد عبوة تستهدف شخصية رفيعة المستوى أو مقراً حيوياً لإعادة إرباك الساحة السياسية وإدخال البلاد في نفق الفتنة المذهبية.
* الفرضية الثانية (إعادة التموضع اللوجستي): نقل المواد بين المخازن السرية بعد فقدان الحزب لشبكات أمانه التقليدية وتضييق الخناق على ممراته عبر الحدود.


خلاصة: إن ملف متفجرات ضهر البيدر ليس مجرد إنجاز للشرطة العسكرية والأجهزة الأمنية، بل هو الاختبار العملي الأول لمدى قدرة الدولة اللبنانية والقضاء على تحويل “قرار رفع الشرعية السياسي” إلى مسار قضائي ناجز يضع حداً لزمن الفارين من العقاب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى