لبنان: بين الانتهاكات والسيادة وأهمية تطبيق القرار 1701+

رئيس الجمهورية يتحمل مسؤولية خطابه .
ميراز الجندي كاتب ومحلل سياسي
منذ سنوات، يقف لبنان على حافة الهاوية، في ظل تداخل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية. ومع دخول لبنان في مرحلة حاسمة من تاريخه، يبرز قرار الأمم المتحدة رقم 1701، الذي يهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، كإطار أساسي لاستعادة الاستقرار والهدوء. ولكن، على الرغم من مرور الوقت، لا تزال بنود هذا القرار بحاجة إلى التنفيذ الفعلي، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام الحكومة اللبنانية.
التأخير في التنفيذ: خطر يهدد المستقبل
كل تأخير في تطبيق القرار 1701+ بكل مندرجاته، قد يتسبب في مزيد من التوترات والعدوانات، سواء كانت من إسرائيل أو من قوى إقليمية أخرى. إذ أن هذه التأخيرات تمنح الأطراف المعرقلة الفرصة لاستخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يؤدي إلى تزايد المخاطر على الاستقرار الوطني. وعليه، فإن العالم كله يطالب القادة السياسيين اللبنانيين بالتصرف كرجال دولة، يتخذون القرارات الصارمة التي تضمن سيادة لبنان وأمنه.
المسؤولية على عاتق الجميع
في هذا السياق، يتحمل رئيس الجمهورية كامل المسؤولية عن تأخير تنفيذ القرارات التي نص عليها القرار الدولي 1701. من جهة أخرى، الحكومة اللبنانية مجتمعة هي المسؤولة عن عرقلة الإصلاحات المطلوبة، وعدم تفعيل خطوات حاسمة لترتيب الأوضاع الأمنية والاقتصادية. في ظل هذا الوضع، يظل التسويف والتأجيل سمة حاضرة، حيث يصرح الرئيس اللبناني بعبارات تخلو من الجدية، فيقول مرة إن مطلقي الصواريخ ليسوا من حزب الله، وأخرى يظهر نائب رئيس الحكومة متماثلًا مع الميليشيات، عارضًا حججًا واهية تتناقض مع المصلحة الوطنية.
الميليشيات والمحاصصة: غياب مفهوم الدولة
لبنان يعاني من تداخل مفهوم الدولة مع الميليشيات والجماعات المسلحة التي لا تعترف بالسلطة المركزية. فحتى اليوم، لا يزال لبنان يعاني من عبء المحاصصة الطائفية التي تعطل سير الأمور السياسية، حيث تظل المصالح الخاصة والجماعية تفوق المصلحة الوطنية. والنتيجة أن كل تطور إيجابي يتوقف أمام هذه المعوقات، وتستمر الميليشيات في التحكم في القرار السياسي والاقتصادي، مما يزيد من هشاشة الدولة اللبنانية.
في ظل هذا المشهد السياسي المعقد، يبدو أن مفهوم “الدولة” في لبنان بات غائبًا عن معظم الفاعلين السياسيين. الدولة التي يجب أن تكون مؤسسة تشرف على كافة جوانب الحياة في البلاد، لا سيما في مجالي الأمن والاقتصاد، قد أُهملت لصالح جماعات وطوائف تواصل استغلال الأزمات لصالحها.
المحاسبة أولاً ثم إصلاح الدولة
من الضروري أن يتحمل المسؤولون اللبنانيون عواقب أفعالهم. فعملية نزع سلاح جميع المجموعات المسلحة في لبنان، دون استثناء، يجب أن تبدأ فورًا، وذلك لضمان سيطرة الدولة على أراضيها. هذه الخطوة، التي تمثل أولوية وطنية، يجب أن تواكبها خطوات جادة نحو محاربة الفساد وفرض سيادة القانون، بما يضمن محاسبة كل من ساهم في تدهور الوضع الأمني والسياسي. لا يمكن أن تكون هناك دولة بلا قانون، ولا يمكن أن تكون هناك سيادة بلا قوة مركزية قادرة على فرض النظام والأمن.
الوضع الإقليمي: مصلحة لبنان في الحياد الإيجابي
التحديات الأمنية لا تقتصر فقط على لبنان، فالوضع الإقليمي المأزوم يضيف أعباء إضافية على الدولة اللبنانية. ومن هنا، يبقى السؤال: هل سيتمكن لبنان من الحفاظ على حياده الإيجابي أم أنه سيظل مسرحًا لتصفية الحسابات الإقليمية؟ إن الخيار الصحيح يكمن في تطبيق القرارات الدولية، ومن بينها القرار 1701، لتحقيق سلام عادل وضمان استقرار طويل الأمد. إلا أن هذا لا يتحقق دون أن تفرض الدولة اللبنانية نفسها كمحور أساسي، وقوي، لفرض سيادتها وحماية مصالح شعبها.
خاتمة: دولة أو لا دولة
إما أن تكون هناك دولة حقيقية في لبنان، قادرة على تطبيق القوانين وتفعيل الإصلاحات، أو سيظل الوضع كما هو عليه، حيث تكون الميليشيات والطائفية هي سيدة الموقف. كل تأخير في تنفيذ القرار 1701 يزيد من تهديدات العدوان الخارجي والتدخلات الإقليمية، ويزيد من تدهور الوضع الداخلي.
إن لبنان أمام خيار مصيري: إما أن يتم النهوض بالدولة وتطبيق سيادتها على كامل أراضيها، وإما أن يبقى رهينة للميليشيات والمحاصصة، مما يعزز تدخلات خارجية قد تضر بمستقبل الوطن.
إن القرار بيدنا، ولا مجال للتراجع.